عن واقعة القبض علي الفنانة منة شلبي

الحدث

بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 25 من نوفمبر عام 2022 انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الجرائد المختلفة علي الانترنت أخبارا تتناول واقعة القبض علي الفنانة والممثلة المصرية منة شلبي فى مطار القاهرة ، وذلك أثناء عودتها من نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية ،وبحوزتها كمية من المواد المخدرة ،ثم تضمنت تلك الاخبار صورا لتلك المضبوطات التي كانت معها ، كما تضمنت أيضا صورة لجواز السفر الخاص بها ، والذي يحوي بداخله جميع بياناتها الشخصية كالاسم الرباعي وتاريخ الميلاد ومحل الاقامة .. الخ ، وتوالت الأخبار فيما بعد عن خضوعها للتحقيق بمعرفة النيابة العامة للوصول الي حقيقة الواقعة وما ستنتهي اليه .

انقسم أثناء ذلك المغردون علي مواقع التواصل الاجتماعي بين فرق تتعاطف معها لضآلة كمية المضبوطات وبأنها غير مُجرَمة ومقننة فى الولايات المتحدة الامريكية ، والا لم تكن لتخرج بها من مطار نيويورك ، وفريق اخر يري انها فنانة نعم ولكن هذا ليس بامتياز يمنعها من القبض عليها وحبسها اذا ارتكبت مثل هذه الجريمة أسوة بأي مواطن عادي يأتي بمثل ما جاءت به ،وفريق آخر ثالث يري الأمور من زاوية انها تستحق ذلك لانها تخدش الحياء العام بأدوارها الفنية وهذا عقاب الله لها بالعبارة الرائجة التي يتم استخدامها مؤخرا نصيبها من الستر قد انتهي “!

في مساء ذات الليلة نشرت صفحة النيابة العامة علي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قرارا باخلاء سبيل الفنانة منة شلبي بكفالة قدرها خمسون ألف جنيه مصريا ،وقد ذكرت النيابة العامة فى بيانها بأنه قد ورد اليها محضر تحريات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بشأن ما توصلت اليه التحريات في تلك الواقعة حيث ثبت بأن المتهمة قد احرزت تلك المواد بقصد التعاطيوباستجوابها اثناء التحقيقات فيما هو منسوب إليها من اتهامها بحيازة وإحراز مواد مخدرة بقصد التعاطي ، فأنكرتها ، وعلي ذلك أمرت النيابة العامة باخلاء سبيلها بالضمان المالي ،وارسال المواد المضبوطة بحوزتها لمصلحة الطب الشرعي لفحصها وبيان طبيعتها ومدي احتوائها علي أي من المواد المخدرة .

ما بعد ذلك

لم يسلم بيان النيابة العامة علي صفحة التواصل الاجتماعي فيسبوك وهو البيان المعني باخلاء سبيل الفنانة منة شلبي من التعليقات السلبية التي تشكك فى نزاهة التحقيقات وحياديتها وعدم تعامل النيابة العامة بالمثل فيما يخص المواطنين العاديين المتهمين فى مثل تلك القضايا والتي تقرر النيابة فى أغلبها بالحبس الاحتياطي علي ذمة التحقيقات لمدد متتالية ، وقد يصل الأمر الي احالة المتهمين الي المحاكمة محبوسين رغم انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي في حقهم طوال تلك المدد .

وهنا نجد انفسنا أمام سؤال هام للغاية لابد من الاجابة عليه

هل حرية الانسان أي انسانهي الجديرة بالحماية قانونا ام أن تقويض تلك الحرية بقرارات سالبة لها كالحبس هو الأجدر والأولى ؟

فبرغم ان قرينة البراءة لصيقة بالانسان وقد عززها الدستور المصري بنصه علي ان المتهم برئ حتي تثبت ادانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه 1 الا ان السواد الأعظم من المجتمع المصري مؤخرا وخاصة ما يُعرف بمجتمع السوشيال ميديا وكذا بعض المواقع الاخبارية أصبحوا يتعاملون بعكس مضمون تلك القاعدة ويتناقشون من باب أن المتهم مُدان حتي يُثبِت براءته وهو الامر الذي حدث مع واقعة القبض علي الفنانة منة شلبي ، فمبجرد الاعلان عن خبر القبض عليها وتسابقت المواقع والمنصات الاخبارية فى الاعتداء علي خصوصيتها بنشر بياناتاها الشخصية بجواز سفرها واستبقوا التحقيقات في تحليل الواقعة بادعاءات مغالطة غير موضوعية فيما يوحي للقارئ بثبوت الاتهام الذي لم ينتهي اليه التحقيق رسميا أصلا من عدمه ، بالاضافة إلي تسريب السلطات الأمنية صور لمضبوطات الواقعة دون الإنتهاء من تحقيق النيابة العامة واتخاذ قرار بشأنها علي الأقل بثبوت الاتهام من عدمه ، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين فى لمح البصر يتبادلون تلك الصور فى الفضاء الالكتروني الوسيع ، ويكيلون الاتهامات والانتقادات اللاذعة التي تخدش سمعة وشرف العائلات ويعاقب عليها القانون ،فبدلا من أن تكون السلطات الأمنية وهي المنوط بها تنفيذ القانون والعمل علي تحقيقه رادع وحائط صد ضد محاولات التعدي علي حقوق الأفراد وخدش سمعة العائلات حتي لو متهمين طالما لم يفصل القضاء في شانهم – أصبحت هي أول الجهات التي تتجاهل القانون وتسرب صورا وبيانات شخصية لمواطنيها الذين هم رهن التحقيقات الأولية ،وذلك دون أدني مساءلة !

نقابة المهن التمثيلية وموقفها من تلك الواقعة

عقب ما تقدم من تداول خبر القبض علي الفنانة منة شلبي وانتهاك خصوصيتها أصدرت نقابة المهن التمثيلية بيان تعرب فيها عن أسفها من تداول بعض الاخبار التي تنال من عضو النقابة منة شلبي بنشر بياناتها الشخصية علي مواقع التواصل الاجتماعي وفى المواقع الاخبارية المختلفة ، وطالبت بضرورة احترام تلك الخصوصية واننتظار ما ستؤل اليه نتيجة التحقيقات ، كما قامت فورا بندب محامي النقابة لحضور تلك التحقيقات معها ،وذلك وفقا لتصريحات المحامي شعبان سعيد محامي نقابة المهن التمثيلية بمداخلته الهاتفية مع برنامج الحكاية للاعلامي عمرو أديب ليلة الواقعة بتاريخ 25 نوفمبر 2022 ،و هو الامر الذي يجعلنا نسلط الضوء علي ضرورة وأهمية دعم النقابات لأعضاءها ويجعلنا أيضا نقارن بين موقف نقابة المهن التمثيلية مع أحد أعضاءها الذي تم توقفيفه واتهامه وتم دعمه حتي استحق حريته ، وبين موقف نقابة المحامين مثلا التي يتم القبض بشكل شبه يومي علي اعضاءها واخفاءهم قسريا ثم اتهامهم فيما بعد باتهامات واهية بسبب عمل حقوقي أو كلمة رأي أو موقف نقابي يدعم الحقوق والحريات ولا تسمع لنقابتهم صوت يحرك ساكنا وهي من هي تاريخيا في الدفاع عن حقوق وحريات الاخرين ، فأزمة المحامين الأخيرة مع الدولة فيما يعرف بالفاتورة الالكترونية قد كشفت النقاب عن أزمة غياب نقيب المحامين المنتخب ومجلسه عن دعوات المحامين بالتظاهر داخل نقابتهم للمطالبة بالغاء التسجيل فى تلك المنظومة ، وهو الأمر الجلل الذي سيؤثر علي حيوات المحامين المهنية لعقود قادمة بل قد يطيح بالمهنة واصحابها تماما في المستقبل القريب .

لذلك فبيان نقابة المهن التمثيلية بخصوص دعم الفنانة منة شلبي في أزمتها تلك حتي وان كانت ارتكبت جرم معاقب عليه قانونا – وظهور نقيب الممثلين الفنان أشرف زكي علي المنصات المختلفة واعلانه دعم النقابة الكامل لها دون الاكتراث بالشائعات التي أثيرت حول تلك الواقعة لهو أمر جيد ،يجب علي جميع النقابات المهنية الأخرى ان تحذو حذوه .

جدير بالذكر ان النيابة العامة في تلك الواقعة قد استخدمت حقها الطبيعي وفقا للقانون باخلاء سبيلها بالضمان المالي علي ذمة التحقيقات وهو الأمر الذي لا يعني براءتها بالكُلية حيث وفقا للقانون قد تحال القضية بانتهاء التحقيقات فيها الي المحكمة الجنائية لتفصل فيها في أي وقت سواء بالادانة او البراءة – وهو الامر الذي قُبِل بسخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي علي سند من القول ان النيابة قد حابتها لأنها فنانة ومعروفة ، أو يكون قد أخلي سبيلها بوساطة ما لعلاقتها بشخصيات هامة فى الدولة نظرا لأنها ممثلة كما يعتقد العقل الجمعي

، ولكن المشتغلين بالقانون يعرفون جيدا أن قرار إخلاء سبيل الفنانة منة شلبي بالضمان المالي فى هذه القضية هو ليس بالأمر الجلل او القرار الذي لم يؤتى بمثله من قبل – فكثيرا من القضايا المشابهه قد أخلي سبيل المتهمين فيها بالضمان المالي نظرا لاعتبارات كثيرة تعرف بمبررات الحبس الاحتياطي2 ،التي تكون منتفية في حقهم مما يوجب معه اخلاء سبيلهم .

 

فليست قضية منة هي الاولي ولن تكون الاخيرة .

ففي النهاية يجب علينا ان نقف دائما فى صف القانون حماية لحقوق وحريات الناس وتشجيعا لكل قرار بالحرية ينعم به انسان طالما لم يثبت فى حقه الاتهام لا ان نتوسع فى قرارات الحبس الاحتياطي ونهلل لها ونعتبر ان ما يحدث عكسها لابد من انه مؤامرة كونية تحدث لسبب ما لا نعلمه ،كما يجب ان يكون انتماءنا وانتصارنا اولا وأخيرا لتحقيق ضمانات المحاكمة العادلة لكل متهم كما ينص الدستور والقانون بغض النظر عن نوعه او جنسه او لونه او انتماءه او مهنته .

 

1 مادة 96 من الدسور المصري

2 راجع المادة 136 من قانون الاجراءات الجنائية رقم 145 /2006 فيما يخص مبررات الحبس الاحتياطي .

وسوم: