
تعد ظاهرة هرب المبدعين رياضيا ،فنيا ،حقوقيا ،سياسيا من مصر احدي المشكلات الخطيرة التي تواجه المجتمع المصري فى الوقت الحالي ، فعلي مدار السنوات العشر الاخيرة شهدت مصر هجرة وتغريب عدد كبير من المواهب الرياضية والفنية والحقوقية الي الخارج ،وهو الامر الذي بدوره ترك أثرا سلبيا على الحياة الثقافية والرياضية فى مصر بشكل عام .
تأتي تلك الظاهرة علي خلفية وبسبب الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها مصر ، والتي تجعل الكثير من الشباب يفكرون فى الهجرة الي الخارج للبحث عن حياة أفضل وفرص أفضل لتحقيق طموحاتهم وتطوير مواهبهم .فالمجال الرياضي والفني فى مصر يعد من أهم المجالات التي تشهد هجرة المواهب من مصر ،حيث يجد شباب اللاعبين المصريين فى الأندية الخارجية فرصا أفضل دائما لتحسين مستواهم ،وتحقيق أحلامهم الرياضية ،بينما يفضل المبدعون فى الفن البحث عن فرص عمل فى الخارج لتحقيق النجاح والاعتراف الدولي فضلا عن التضييق الأمني الذي يقع علي كثير منهم أحيان كثيرة ، ممن لا يرضي عنهم النظام فى مصر بسبب ارائهم ومواقفهم السياسية ،والتي تكون عادة مناهضة لسياسات النظام القمعي الحاكم في مصر .
كما تعود هذه الظاهرة أيضا الي عدة أسباب تتعلق بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ،حيث تشهد البلاد تحديات كبيرة فى هذه المجالات مثل ارتفاع معدل البطالة ،وتدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشباب ،بالاضافة الي نقص الفرص والفساد المالي الذي يسكن جميع جنبات مؤسسات الدولة بشكل عام والمؤسسات الرياضية والفنية بشكل خاص ،مما يعيق من تطوير مهارات تلك المواهب وتحقيق طموحاتهم داخل وطنهم ،ويجعلهم يبحثون عن فرص افضل فى الخارج بأي ثمن وانتهازها للهروب من براثن هذا الفساد ،حيث يتمتعون هناك ببيئة ملائمة لتطوير مواهبهم ،واظهار ابداعاتهم بشكل يليق بها .
وتؤثر هذه الظاهرة بالطبع سلبا علي المجتمع المصري، حيث تفقد مصر بسببها أحد أهم مصادرها للابداع والتميز،بالاضافة الي تأثيرها علي الاقتصاد المصري حيث تفقد الدولة الفرصة للاستفادة من مواهب مواطنيها الرياضية والفنية والثقافية فى تعزيز الصناعات الابداعية ،وتنمية الاقتصاد الوطني للدولة المصرية .
وعلي سبيل المثال :
نماذج لمواهب رياضية تركت مصر هربا .
لاعب المصارعة المصري محمد عبد الفتاح والشهير ب ( بوجي ) الذي هرب من مصر وتجنس بجنسية دولة البحرين العربية ولعب باسمها ،ومنها الي أمريكا لتدريب أحد المنتخبات الأمريكية .
معاذ محمد لاعب ألعاب القوي المصري ، والذي حصل علي الجنسية القطرية ،ويلعب الأن باسم المنتخب القطري .
طارق عبد السلام لاعب المنتخب المصري للمصارعة ،والذي بسبب أزمته مع الاتحاد المصري للعبة قرر ترك مصر وسافر الي بلغاريا ليعمل بائع شاورما الي ان حصل علي الجنسية البلغارية ،ولعب باسم بلغاريا وحصل تحت اسمها علي الميدالية الذهبية فى بطولة اوروبا .
محمود فوزي لاعب المصارعة المصري ، الذي ترك مصر وسافر الي أمريكا لتمثيل المنتخب الأمريكي للمصارعة بعد ان فشل فى تمثيل مصر فى بطولة الالعاب الاولمبية طوكيو 2020 بسبب الفساد .
أحمد بغدودة
بالاضافة الي العديد من الأمثلة الاخري ،لعل أبرزهم فى المجال الرياضي مؤخرا أيضا واقعة لاعب المصارعة الرومانية المصري أحمد بغدودة ،الذي ترك معسكر المنتخب المصري للمصارعة فى تونس فجاة عقب مشاركته ببطولة أفريقيا متوجها الي فرنسا دون سابق اعلان ,والذي أثار خبر اعلان هروبه عن طريق الجهات الرسمية في مصر جدلا واسعا بين اوساط الشارع المصري وعلي منصات التواصل الاجتماعي التي شكلت موجة حادة من الانتقادات للاتحاد المصري للعبة ، وكذا انتقادات عدة للدولة المصرية ووزارة الشباب والرياضة بسبب تلك الواقعة والاسباب التي أدت اليها .
ويعد ابرزردود الفعل علي تلك الواقعة والتي تعكس حال ما آل اليه المواطنين في مصر ماجاء علي منصات التواصل الاجتماعي حول تشجيع اللاعب وأقرانه من اللاعبين علي الهروب من مصر والبحث عن فرص افضل في الخارج بسبب ما يلاقيه الرياضيون فى مصر من عدم اهتمام ومحسوبية ، وبخس للحقوق وتدمير للمواهب علي يد المسؤلين فى الجهات الحكومية المعنية بتلك الرياضات .
وعلي صعيد اخر تتفشي ظاهرة هروب المبدعين من مصر بين الاوساط الفنية والسياسية والحقوقية بسبب التضييقات الأمنية عليهم فى ارزاقهم ،وعدم اسناد أي اعمال لهم سواء كانوا فنانين او كُتَاب
خاصة ان كانوا من المعارضين لسياسات النظام ، وتلفيق الاتهامات والقضايا لهم ،والهجوم الدائم عليهم فى الاعلام الذي تسيطر عليه الدولة تمام السيطرة منذ ما يقرب من عشر سنوات ، وعلي منصات التواصل الاجتماعي من خلال لجان الكترونية مدفوعة تعمل من اجل ذلك وفقط.
او سواء كانوا حقوقيون او سياسيون بمنعهم من ممارسة أعمالهم بحرية بسبب دعمهم للديمقراطية وحقوق الانسان .
نذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر
الكاتب الصحفي والسيناريست بلال فضل ، الفنان عمرو واكد ، الفنان خالد ابو النجا ، الفنان هشام عبد الحميد ، الفنان محمد شومان ، الفنان هشام عبدالله .
بالاضافة الي عدد كبير من الحقوقيين محامين وصحفيين وباحثين شباب وشابات تركوا مصر قهرا بسبب التضييقات الأمنية عليهم ،وعلي ذويهم ،فمنهم من تعرض للحبس قبل ان يترك مصر ،ومنهم من تعرض للتضييق عليه فى عمله ، ومنهم من تم تهديده مرات عديدة اما التعاون مع السلطات الامنية وتجنيده ليصبح مخبرا علي زملائه ،اوالتحدث والكتابة بلسان السلطة اما تلفيق الاتهامات والقضايا المفبركة له ولعائلته ،ومن ثم يصبح هروبه للنجاة بنفسه وبأسرته للخوف من التنكيل أمرا واجبا لا يستطيع معه المرء الا ان يذعن لغريزته الفطرية بالهرب للبقاء علي قيد الحياة حرا خارج حدود وطنه ،الذي يفرض عليه قيودا تتعلق بحياته وامانه الشخصي وحياة وسلامة أسرته .
اثر تلك الظاهرة علي المجتمع المصري وكيفية تفاديها أو الحد منها .
تتمثل تاثيرات هذه الظاهرة على المجتمع المصري كما ذكرنا في فقدان العديد من الكفاءات المصرية الهامة بسبب الهجرة سواء كانت هجرة اختيارية او قسرية بسبب الاوضاع السياسية ،الاجتماعية،الاقتصادية في البلاد ،مما يؤثر سلبا علي مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، بالاضافة الي ما يشكله الهروب المستمر للمواطنين المهرة والمؤهلين تحديا أكبر للدولة فى توفير فرص وظيفية ،وتحسين الاقتصاد والحفاظ علي المسار الاقتصادي المستقر .
ولتحسين هذا الوضع نسبيا فى المستقبل يجب علي الدولة المصرية العمل علي توفير بيئة أعمال جاذبة من خلال تحسين الاوضاع السياسية والاقتصادية فى البلاد، والعمل علي تشجيع المواهب المصرية فى كافة المجالات، من خلال فتح المجال العام ،اطلاق الحريات، والعمل علي تأكيد سيادة القانون ،ومكافحة الفساد بشتي الطرق القانونية والدستورية لا بالشعارات والهتافات الرنانة ،والخطابات الرسمية،وتوفير فرص العمل والتدريب للنساء والشباب من اجل تمكينهم من العمل فى مجالات مختلفة ،ومن ثم تطوير وتحسين قدراتهم ومهاراتهم الابداعية . بالاضافة الي ضرورة اسقاط كافة القضايا والتهم عن المبدعين المصريين في الخارج ، وشباب الحقوقيين والسياسيين والصحفيين الذين اضطروا الي الهروب من مصر بسبب المكايدة السياسية ليس الا خوفا علي حيواتهم ،وحيوات أسرهم ،وضرورة دعوتهم الي العودة الي وطنهم بشكل آمن دون ملاحقتهم أمنيا او تضييق ،والعمل علي أهمية اتمام اعادة دمجهم داخل المجتمع المصري مرة اخري للاستفادة من قدراتهم وطاقاتهم الابداعية المهدرة عن عمد .