
القصة الأولى: الذهب الذي لم يعد ذهبا
المكان: مطار لوساكا بزامبيا، التاريخ: الأحد 13 أغسطس 2023
قصتنا الأولى تبدأ عندما نشرت وسائل الاعلام المصرية أنباء عن توقيف طائرة مصرية في زامبيا قبل أن تقوم الصحف والمواقع بسحب الخبر مما أثار حالة من الجدل لم تهدأ حتى عندما أعلن المدير العام للجنة مكافحة المخدرات في زامبيا، ناسون باندا، في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء 15 أغسطس، أن طائرة تحمل بضائع وصفها بالخطرة هبطت في مطار كينيث كاوندا يوم 13 أغسطس في الساعة السابعة مساءًا بالتوقيت المحلي.
وفقا لناسون “الطائرة كانت قادمة من القاهرة إلى زامبيا في رحلة تحمل رقم Global Express T7-WW وكان من المفترض أن تعود مرة أخرى إلى مصر”، وأضاف أن ما دعا السلطات إلى التحرك أنه كان “من الواضح ضلوعها بنشاط غير قانوني وبناء على معلومات وردت للجنة وبالتنسيق مع أجهزة أخرى معنية بتنفيذ القانون تمت مداهمة الطائرة في يوم 14 أغسطس بالمطار، وبناء على عملية المداهمة
تم ضبط:
- مبلغ 5.7 مليون دولار.
- خمس مسدسات بذخائرهم.
- 602 قطعة معدنية على شكل سبائك ذهبية تزن مجتمعة 127 كيلوجرام” (1)
وكانت هذه السبائك أول نقاط الغموض حيث قيل انها من الذهب ثم تبين بعد ذلك انها من الزنك والنحاس بحسب تصريحات وزير المعادن والمناجم الزامبي (2)، ولم يعلن حتى الآن السبب في احتواء الطائرة على كل هذه الكمية من السبائك الذهبية المزيفة, مما دفع البعض بالتكهن بأنه ربما كانت هناك عملية نصب على وشك الحدوث، بينما سرت شائعات تفيد بأنه قد جرى التحقيق مع العديد من ضباط الشرطة الزامبيين الذين دخلوا الطائرة بزعم تلقي كل واحد منهم ما يصل إلى 200 ألف دولار من الركاب المصريين الذين كانوا على متن الطائرة. ويُزعم أن هذه كانت مكافأتهم للسماح للطائرة بالإقلاع دون اعتقال أي شخص ولكن عندما انتشرت أنباء بطريقة أو بأخرى تفيد بأن مبالغ كبيرة من المال وزعت على متن الطائرة، هاجمت مجموعة أخرى من موظفي الأمن الطائرة واعتقلت من كانوا بداخلها.
وقالت هيئة مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون إن 11 مشتبها بهم، بينهم ضابط رفيع في الشرطة الزامبية وستة مواطنين مصريين وهولندي وإسباني ولاتفي قد تم اعتقالهم ووجهت إليهم تهمة “التجسس”، لدخولهم منطقة محظورة في المطار. (3)
وكانت هوية المشتبه بهم هي نقطة الغموض الثانية، حيث قامت السلطات المصرية بتوقيف صحفيا مستقلا يدعى كريم أسعد يعمل في منصة “ماتصدقش” للصحافة الاستقصائية لقيام المنصة بكشف أسماء أربعة من المصريين الستة الذين كانوا على متن الطائرة ومن بينهم ضابط سابق في الجيش وصاحب شركة ذهب وضابط شرطة مصري سابق، في إشارة واضحة لمحاولة السلطات المصرية التعتيم على الحادث واخفاء تفاصيله عن الجمهور.
وتزامن ذلك مع عدم تعليق السلطات المصرية بشكل رسمي على الحادث والاكتفاء بتصريحات متناقضة أدلى بها مسئول غير معلوم الهوية لوكالة انباء الشرق الأوسط التابعة للدولة المصرية للتنصل من مسئولية مصر عن الطائرة لكونها طائرة لبنانية وليست مصرية ومرت بمطار القاهرة ترانزيت وتعرضت للتفتيش بشكل احترافي على حد قوله. بينما انتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي لنفس الطائرة بجانب مسئولين رسميين مصريين على أعلى مستوى وفي مناسبات مختلفة مع شائعات كثيرة عن ارتباطها وارتباط ركابها المقبوض عليهم بأجهزة الأمن المصرية.
وكانت ذروة الغموض في احضار 5 فقط من المصريين الموقوفين للمحاكمة بتهمة التجسس بينما غاب المتهم السادس ولم تعلم هويته بعد، والذي رجح المعارضون في مصر أنه شخصية أمنية رفيعة المستوى بذلت السلطات المصرية جهدا بالغا لإخفاء هويتها ورجح المؤيدون أن يكون مضيفة الطائرة والتي لم يوجه لها أي اتهام.
على كل حال قررت المحكمة الزامبية اطلاق سراح المصريين في النهاية بعد تنازل النيابة عن الاتهامات ضدهم ، وتدخل غامض من السفير السعودي السابق في مصر ” احمد القطان” ! وعادوا إلى مصر ولم تعلن السلطات المصرية فتح أي تحقيق من أي نوع في الموضوع.
فيما يبدو كمحاولة لاخفاء معالم الواقعة وادراجها في طي النسيان.
القصة الثانية: الذهب المصري في أمريكا
المكان: مكتب المدعي العام بمانهاتن، نيويورك
الحدث: مؤتمر صحفي للنيابة العامة لعرض لائحة الاتهام الفدرالية ضد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ
قصتنا الثانية تبدأ بعد أقل من شهر من نهاية قصتنا الأولى وذلك عندما أعلنت وزارة العدل الأمريكية (4) ، يوم الجمعة 22 سبتمبر، عن توجيه لائحة اتهامات إلى السيناتور الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، بوب مينينديز، وزوجته نادين أرسلانيان مينينديز، بالفساد والرشوة مقابل خدمات غير مشروعة للسلطات المصرية و3 رجال أعمال آخرين في القضية. أحدهم المصري الأمريكي وائل حنا.
يزعم ممثلو الادعاء أن السيناتور قد استخدم نفوذه لمساعدة شركة حنا “إي إس إي جي” لإصدار شهادات الأغذية الحلال، وهي شركة ناشئة في نيوجيرسي قلمت باحتكار إصدار شهادات الحلال للصادرات الأمريكية من اللحوم إلى مصر من المواد الغذائية بعد أن كانت الحكومة المصرية تسمح لأربع شركات على الأقل بالعمل في المجال ذاته. الأمر الذي أثار قلق وزارة الزراعة الأمريكية، خاصة وأن الشركة الجديدة ليس لديها خبرة معروفة في شهادات الحلال، كما أن احتكارها لهذا النوع من الشهادات قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف لموردي اللحوم الأمريكيين الآخرين، وهو ما حدث بالفعل وأدى لارتفاع أسعار اللحوم المستوردة في مصر بعد ذلك.
ووفقا للادعاء قام السيناتور “بالنصح والضغط بشكل غير لائق” على مسئول رفيع المستوى في وزارة الزراعة لمطالبته بالتوقف عن التدخل في احتكار “إي إس إي جي” للأغذية لحلال، (5) وهو الإجراء الذي يقول المدّعون إنه “يضر بمصالح الولايات المتحدة”. وقال ممثلو الادعاء أيضا إن حنا استخدم الشركة كوسيلة لتقديم رشاوي بمئات الآلاف من الدولارات للسيناتور وزوجته، مقابل أفعال مينينديز وانتهاكاته للواجب لصالح حكومة السيسي وآخرين، بما في ذلك ما يتعلق بالمبيعات العسكرية الأجنبية والتمويل العسكري الأجنبي. وقال ممثلو الادعاء إن مينينديز أخبر حنا في اجتماع عام 2018 بمعلومات سرية حول وضع المساعدات العسكرية. وذكرت لائحة الاتهام أن حنا أرسل رسالة نصية إلى مسؤول مصري رفيع مفادها أنه “رُفع الحظر على الأسلحة الصغيرة والذخائر إلى مصر”.
وتأتي لائحة الاتهام بعد أن كشف تفتيش منزل مينينديز في عام 2022 الصيف الماضي عن 100 ألف دولار من سبائك الذهب و480 ألف دولار نقدا. هذا بجانب سيارة مرسيدس بنز بقيمة 60 ألف دولار تم إهداؤها إلى زوجته كجزء من المخطط. (6)
وقال داميان ويليامز، المدعي العام الأمريكي لمانهاتن، في مؤتمره الصحفي عند الإعلان عن الاتهامات “هذا التحقيق مستمر بلا انقطاع، لم ننته بعد. وأريد أن أشجع أي شخص لديه معلومات على التقدم بها إلينا وبسرعة”. بينما رفضت السفارة المصرية في واشنطن التعليق على الادعاءات.
انتهت قصتنا الثانية.
الرابط بين القصتين بالطبع هو الزعم بتورط الحكومة المصرية وأجهزتها الأمنية في الحالتين وكمية المبالغ المضبوطة والسبائك الذهبية التي يبدو أنها ستصبح علامة مميزة للعلاقات المصرية مع العالم في الفترة المقبلة. والتناقض بينهما يبدو جليا في المقارنة بين موقف السلطات الأمريكية التي كانت دقيقة للغاية في اتهاماتها وفي الإفصاح عنها للجمهور رغم تعلقها بشخصية رفيعة المستوى في السلطة التشريعية، وموقف السلطات الزامبية الذي بدا كما لو كان مسيسا بدرجة ما ومتأثرا بضغوط السلطات المصرية، وموقف السلطات المصرية الرسمي الذي بدا صامتا أكثر من اللازم والذي اكتفى بالرد عن طريق إطلاق حملة إعلامية غير رسمية تروج لما حدث في الولايات المتحدة على أنه عملية مخابراتية مصرية لتجنيد السيناتور مينينديز لصالح الحكومة المصرية.
وهنا يمكن ملاحظة ارتباط الحق في الحصول على المعلومات بمدى رسوخ قواعد الشفافية وحكم القانون في كل بلد، فبلد مثل الولايات المتحدة والمعروفة بعراقة تقاليدها القانونية وصرامة إجراء الفصل بين السلطات فيها، جرى التحقيق فيها لسنوات وتم إعلانه للجمهور تفصيليا رغم ما سيكون لذلك من تأثير أكيد على مجريات السياسة وتوازنات القوى في مجلس الشيوخ، بينما في دولة زامبيا والتي تعتبر من الدول التي أنجزت التحول الديمقراطي من فترة قريبة ظلت هناك شكوك حول مدى تدخل السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس ووزراء الحكومة في مسار التحقيقات وتأثيرهم على العدالة بل وشكوك حول قيام مسئولين نافذين بمصادرة الذهب واستبداله بسبائك نحاسية في مقابل تسهيل خروج المتورطين من القضية.
فما هو الوضع في مصر؟
في القضية الأولى يشير منع الصحف المصرية من تناول حادثة الطائرة الزامبية ثم اعتقال صحفي “متصدقش” لتناوله الخبر والتصريحات المجهولة المصدر المتعلقة بالطائرة والتي نشرت في وكالة الانباء الرسمية وأخيرا إخفاء شخصية المتهم السادس إلى مستوى احترام الحكومة المصرية لحق الجمهور في الوصول للمعلومات، والذي يكاد يقترب من الصفر.
بينما تشير الحملة الاعلامية التي حاولت تصوير حادثة رشوة السيناتور الأمريكي على أنها عملية مخابراتية مصرية كبيرة إلى مستوى غير مسبوق من عدم الاعتداد بحق الجمهور في المعلومات والرقابة على مؤسسات دولته بل والتعامل مع المواطن المصري بوصفه هدف للتضليل واخفاء المعلومات.
وذلك على الرغم من اعتراف الدولة بأهمية الحق في المعرفة في نص الدستور المصري في المادة (68) على أن: “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المُختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها وقواعد إيداعها وحفظها والتظلم من رفض إعطائها، كما يُحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدً“
بل وفي شكل أكثر تفصيلية في أحد أحكام محكمة القضاء الإداري (7) والتي جاء فيه:
- “أن الحق في المعرفة ليس حقًّا ترفيًّا مقررًا لمحض المعرفة دون تبني موقفًا إيجابيًّا يعبر عن الغاية من تقرير الحق، وإنما يرتبط الحق في المعرفة ارتباطًا وثيقًا بحق آخر هو الحق في تدفق المعلومات وتداولها”.
- “ومن حيث إن حرية تداول المعلومات تفرض الحق في تلقي المعلومات والأفكار ونقلها إلى الآخرين دون اعتبار للحدود وذلك من خلال كافة وسائل التعبير والإعلام أو بأية وسيلة أخرى يمكن نقل الآراء ونشرها وتداولها من خلالها. ومنها خدمات الاتصالات وخدمات الإنترنت، فبدون القدرة على الحصول على المعلومات وامتلاك حق تداولها وإبلاغها للرأي العام لن يكون لحرية الرأي أي مدلول حقيقي داخل المجتمع”.
- التزام الدولة بنشر المعلومات الرئيسية التي تتعلق بالمصلحة العامة على أوسع نطاق وذلك من أجل ضمان الشفافية والرقابة على أداء السلطات العامة والاستجابة للرغبات الشعبية العادلة لتغيير المجتمع نحو الأفضل.
- الحق في تدفق المعلومات وتداولها هو حق ذو طبيعة مزدوجة، فهو في وجهه الأول يفرض التزامًا (سلبيًّا) مفاده امتناع الجهة الإدارية عن اتخاذ أية إجراءات تشريعية أو إدارية للحيلولة دون التدفق الحر للأنباء والمعلومات سواء في الداخل أو من الخارج، ومن ثم يمتنع على الدولة وضع العوائق ضد تدفق المعلومات أو السماح باحتكار المعلومات ومنع نشرها إلا في حدود المحافظة على النظام العام”.
إلى متى تهدرالدولة المصرية دستورها وأحكام القضاء التي تؤكد على حق تداول المعلومات؟