
تقديم:
يعتبر الحبس الاحتياطي من أهم مكونات العدالة، كونه يتعلق بالحرية والامان الشخصي للمواطنين؛ والتي حرص الدستور المصري على حمايتها، ومرد هذه الأهمية أن الحبس الإحتياطي قد يكون أداة لسلب حرية المواطنين خلال مراحل الدعوى الجنائية، رغم أن الأصل هو البراءة، وقبل أن تتحقق إدانته بحكم باتًّ نهائي.
وحدد قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته تنظيم الحبس الاحتياطي، وفي عام 2006 قام المشرع المصري بإصدار القانون رقم 145 لسنة 2006 لإدخال تعديلات جذرية لأحكام الحبس الاحتياطي، لتقليل فرصة حبس المواطنين خلال مراحل محاكمتهم.
وعلى الرغم من أن تلك التعديلات التي أدخلها المشرع المصري في مظهرها تحقق توافقاً مع الشرعية الدستورية والإجرائية بمعاييرها الدولية، إلا أن الواقع العملي داخل أروقة النيابات والمحاكم -كنيابة أمن الدولة العليا ودوائر الإرهاب في محاكمة الجنايات- يشير إلى أن تلك التعديلات ماهي إلا حبر على ورق لا تظهر في التطبيق العملي.
هذه الورقة :
وفي هذه الورقة نعرض مشاهد تجديد الحبس الاحتياطي ، قبل صدور قرار وزير العدل بعقد جلسات تجديد الحبس عن بُعد سواء كانت أمام النيابة العامة أو أمام دوائر الجنايات منعقدة في غرفة المشورة في قضايا حصر تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا بعد تعميم انعقاد الجلسات عن بعد وتأثيره على تلك الضمانات المستحدثة بالقانون رقم 145 لسنة 2006.
أولا: مشاهد جلسات تجديد الحبس قبل صدور قرار التجديد عن بُعد:
- مشاهد جلسات تجديد الحبس أمام نيابة أمن الدولة العليا:
كانت جلسات تجديد الحبس تنعقد داخل مقر نيابة أمن الدولة العليا بالقاهرة الجديدة في السنوات الأخيرة قبل انتشار جائحة كورونا في مارس 2020 ، بحضور المتهمين المحبوسين احتياطيا داخل مقر النيابة، وعادة ما كانت تنعقد الجلسات بتوزيع المتهمين على وكلاء النيابة المتواجدين بها، والنداء على كل متهم على حدة للدخول داخل غرفة وكيل النيابة المختص بنظر التجديد، بحضور محاموه، وينحصر حضور جلسة التجديد داخل مكتب وكيل النيابة على حضور المتهم ودفاعه وسكرتير التحقيق، وكانت الجلسة تجري بسؤال المتهم عما إذا كان هناك ثمة أقوال جديدة يريد أن يضيفها لاقواله السابقة ويتم السماح لدفاع المتهم بإثبات دفوعه داخل محضر الجلسة، وعقب الانتهاء من إثبات الطلبات والدفوع بالمحضر كان في أغلب الأوقات ما يسمح وكيل النيابة للمحامي بالحديث مع المتهم والإطمئنان على أحواله وظروف احتجازه ، و تستمر لدقائق أما داخل غرفة وكيل النيابة بحضور وكيل النيابة وسكرتير التحقيق أو خارجها بحضور الحرس المرافق للمتهم.
واستمر هذا الوضع حتى مارس 2020 مع بداية جائحة كورونا داخل مصر وصدور قرار من قبل وزير العدل بتعليق نظر الجلسات،
بعدها اتخذت نيابة أمن الدولة منحنى جديدا في جلسات تجديد الحبس الاحتياطي ، فكانت السمة الرئيسية في هذا التوقيت بإصدار قرارات الحبس الاحتياطي بشكل تلقائي دون حضور المتهمين من محبسهم ودون تمكين الدفاع من الدخول الى مقر النيابة واثبات ما يبديه من دفاع ودفوع في ظاهرة عرفت في ذلك الوقت بالتجديد الورقي للمتهمين،
استمر الحال على هذا الوضع حتى منتصف شهر يونيو 2020 مع عودة انعقاد الجلسات داخل المحاكم، فعادت جلسات تجديد الحبس تنظر داخل نيابة أمن الدولة العليا بحضور المتهمين من محبسهم ولكن لم تنعقد الجلسات كسابق عهدها بدخول كل متهم على حدا، فاخذت جلسات التجديد داخل النيابة منحنى جديدا وباتت تنظر جلسات تجديد حبس كل المتهمين المعروضين على ذمة قضية واحدة في وقت واحد وأمام وكيل نيابة واحد مما كان يتسبب في حدوث تكدس داخل غرفة السيد وكيل النيابة وترتب عليه عدم تمكين المتهمين من الحديث مع وكيل النيابة أوالحديث مع محاميه.
- مشاهد جلسات تجديد الحبس المنظورة أمام دوائر الإرهاب في محاكم الجنايات:
كانت جلسات تجديد الحبس الاحتياطي أمام غرفة المشورة لمحاكم الجنايات “المنعقدة داخل معهد أمناء الشرطة بمنطقة سجون طرة” ، وكانت تتسم الجلسات فى الأعوام السابقة لجائحة كورونا في تحديد عدد من الدوائر المنعقدة داخل مقر معهد أمناء الشرطة وتقسيم القضايا على تلك الدوائر، وكان يتم نظر جلسات تجديد الحبس الاحتياطي بحضور جميع المتهمين من مقرات احتجازهم وقيام هيئات المحكمة بالتأكد من حضور جميع المتهمين.
وفي اغلب الاوقات ما كان يتم انعقاد جلسات تجديد الحبس الاحتياطي في القضايا المتواجد بها أعداد كبيرة من المتهمين داخل القاعة الرئيسية للمحكمة بدلا من انعقادها داخل غرفة المداولة؛ ويتم نظر كل قضية على حدا مما كان يتيح فرصة لجميع المحامين الحاضرين مع المتهمين فى جلسات التجديد من الحديث مع المحكمة حول مبررات الحبس الاحتياطي وظروف القبض على كل متهم وكان في اغلب الاوقات ما تسمح المحكمة للمتهمين المعروضين من الحديث معها؛ واستمر وضع نظر جلسات تجديد الحبس الاحتياطي حتى مارس 2020 مع بداية جائحة كورونا داخل جمهورية مصر العربية وصدور قرار من قبل وزير العدل بتعليق نظر الجلسات، فاتخذت جلسات الحبس الاحتياطي للمتهمين المحبوسين منحنى جديدا ، فكانت السمة الرئيسية في هذا التوقيت بإصدار قرارات الحبس الاحتياطي بشكل تلقائي دون حضور المتهمين من محبسهم، ومع عودة الجلسات مرة أخرى للإنعقاد، عادت جلسات تجديد الحبس مرة أخرى الى الانعقاد بحضور المتهمين من محبسهم لكن مع وجود تغيير بسيط وهو عبارة عن تحديد دائرة واحدة من دوائر الإرهاب بمحاكم جنايات القاهرة وهي الدائرة الثالثة إرهاب لنظر جلسات تجديد الحبس لجميع القضايا المعروضة خلال مما نتج عنه تكدس المحكمة بالمتهمين والمحامين وترتب عليه عدم السماح لجميع المحامين بالحديث والاكتفاء بمحامي واحد او أثنين على الأكثر بالحديث مع المحكمة، وكان في أغلب الوقت لايتم إحضار المتهمين من محبسهم ويتم التجديد لهم دون حضورهم.
ثانيا: مشاهد انعقاد جلسات تجديد الحبس عن بُعد:
في 18 أكتوبر 2020 شهد المستشار/ عمر مروان وزير العدل والدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تدشين وقائع المرحلة الأولى من مشروع تجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد، بين محكمة القاهرة الجديدة ، وكلِ من سجن طرة العمومي وسجني 15 مايو والنهضة المركزيين، وذلك عن طريق نظر جلسات تجديد حبس المتهمين ، باستخدام وسائل التقنية الحديثة، باتصال القاضي بالمتهمين داخل محبسهم عبر قاعات مخصصة لذلك بكل سجن بحضور محاميهم، من خلال شبكات تليفزيونية مغلقة ومؤمنة تم ربطها بين عدد من المحاكم وبعض السجون؛ تمهيدًا لتعميم هذا المشروع على جميع المحاكم والسجون، وقد حضر اللقاء جمع من قيادات وزارات العدل والداخلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
و في 20 ديسمبر 2021، أصدر المستشار/ عمر مروان وزير العدل “القرار رقم 8901 لسنة 2021” الذي بات يسمح للقضاة بعقد جلسات النظر في تجديد الحبس الاحتياطي عن بعد “باستخدام التقنية”، “مع مراعاة كافة الضمانات القانونيّة”.
وفي 7 فبراير 2022 أعلن المستشار/ عمر مروان وزير العدل خلال تصريحات إعلامية إن الوزارة نجحت في تعميم مشروع تجديد الحبس عن بعد، في جميع محاكم مصر.
وفي 1 مارس 2022 وجه رئيس الجمهورية/ عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع رئيس مجلس الوزراء الدكتور/ مصطفى مدبولي ووزير العدل المستشار/ عمر مروان بالتوسع في ربط المحاكم بالمنشآت الشرطية، فيما يتعلق بالنظر في تجديد الحبس الاحتياطي عن بعد، وتعميمه على مختلف المحافظات، وفي السطور التالية نبرز شكل انعقاد جلسات تجديد الحبس بعد تعميم قرار وزير العدل؛ سواء الجلسات المنعقدة أمام نيابة أمن الدولة أو أمام دوائر الجنايات منعقدة في غرفة المشورة في قضايا حصر تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا.
- تجديد الحبس المنظورة أمام نيابة أمن الدولة العليا عبر الفيديو كونفرانس
في أواخر شهر مايو 2023 أصدر المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا قرار بعقد جلسات تجديد حبس المتهمين أمام نيابة أمن الدولة العليا عبر الفيديو كونفرانس بدءً من يوم السبت الموافق 10 يونيو2023، عقب تجهيز أحد القاعات داخل محكمة القاهرة الجديدة بالتجمع الخامس (المبنى المجاور لنيابة أمن الدولة العليا).
واتسمت الجلسات في ذلك الوقت، بتحديد وكيل نيابة واحد من المتواجدين بمقر النيابة والانتقال رفقة أحد سكرتارية النيابة رفقة محاضر الجلسات فقط دون القضايا الى القاعة المخصصة لنظر التجديد، وهي عبارة عن قاعة فارغة لا يوجد بها سوى مكتب واحد مخصص لعضو النيابة وشاشة مزودة بكاميرا أمام عضو النيابة يظهر من خلالها المتهمين حال تواجدهم بالسجون أو أقسام الشرطة المودعين بها وجهاز تابلت للاتصال بمقرات احتجاز المتهمين يتحكم به عضو النيابة في اغلاق الصوت على المتهمين وعدم السماح لهم بالحديث أو سماع المحامين وقت مرافعتهم أو إنهاء الاتصال وقت ما يريد.
– وتبدأ الجلسة بقيام سكرتير الجلسة بالاتصال من خلال مكالمات الفيديو كونفرانس من جهاز التابلت المتواجد بالقاعة على كل سجن على حدا يتواجد به متهمين من المنظور جلسة تجديد حبسهم، وعند الاتصال يظهر جميع المتهمين المتواجدين داخل السجن في حضور الضباط المسئولين عن السجن رفقة المتهمين، ويتم تقسيمهم الى مجموعات خاصة بكل قضية ويقوم الحاجب المتواجد أمام باب القاعة بالنداء على المحامين المتواجدين خارج القاعة برقم القضية واسم السجن المنظور كمثال ” سجن أبو زعبل قضية رقم …..” ويقوم المحامين بالدخول الى القاعة واثبات طلباتهم في محضر الجلسة ويستمر ذلك الوضع حتى يتم الاتصال بجميع السجون وأقسام الشرطة المتواجد بها المحبوسين احتياطيا على ذمة القضايا؛ وكثيرا ما يتم إنهاء الجلسة قبل الانتهاء من كافة السجون بسبب التأخر في إنعقاد الجلسة وقيام بعض السجون بالإغلاق وعدم الاستجابة لمكالمات الفيديو كونفرانس بسبب انصراف الموظفين العاملين بتلك السجون مما يترتب عليه قيام النيابة بتجديد الحبس لهؤلاء المتهمين ورقيا.
- تجديد الحبس أمام دوائر الإرهاب بمحاكم الجنايات عبر الفيديو كونفرانس
في 15 سبتمبر 2022 أصدر وزير العدل المستشار/ عمر مروان القرار رقم 5959 لسنة 2022 الخاص بإنشاء مأمورية بمجمع مركز إصلاح وتأهيل بدر – محافظة القاهرة – تتبع محكمة استئناف القاهرة – تختص بنظر المحاكمات الجنائية – بدلاً من مقر انعقادها مبنى معهد أمناء الشرطة بطرة؛ على أن يتم العمل به إعتباراً من يوم السبت الموافق 1 أكتوبر 2022 تزامنا مع بداية العام القضائي الجديد.
وفور ما تم نقل المحاكمات إلى مقر الجديد بمجمع سجون بدر، عممت الثلاثة دوائر إرهاب في محكمة جنايات القاهرة المنعقدة داخل سجن بدر نظر جلسات تجديد الحبس الاحتياطي عن بعد، فباتت تتم جلسات تجديد الحبس داخل غرف المداولة المتواجد بها مكتب للقضاة وشاشة مزودة بكاميرا أمام هيئة المحكمة يظهر من خلالها المتهمين حال تواجدهم بالسجون أو أقسام الشرطة المودعين بها وجهاز تابلت للاتصال بمقرات احتجاز المتهمين يتحكم به القضاة في اغلاق الصوت على المتهمين وعدم السماح لهم بالحديث أو سماع المحامين وقت مرافعتهم أو إنهاء الاتصال وقت ما يريد.
وتبدأ الجلسة داخل غرفة المداولة المنوه عنها وهي عبارة عن غرفة صغيرة جدا لا تتسع لعدد المحامين المتواجدين لنظر جلسات التجديد ويقوم سكرتير النيابة بالاتصال بالسجون المتواجد بها المتهمين، ويتم الاتصال بكل سجن على حدا ويقوم الحرس المتواجد بداخل القاعة بالتنبيه على المحامين ببدء الجلسة والتنبيه على اسم السجن الذي تم الاتصال به كمثال ” سجن بدر 1 واحد يا اساتذة”، ويظهر المتهمين على الشاشة في حضور الضباط المسئولين عن السجن، ويتم عرض جميع المتهمين المعروضين فى السجن دفعة واحدة دون فصل كل قضية على حدا مما ينتج عنه تكدس المتهمين فى الغرفة المجهزة للاتصال في السجن وتكدس المحامين داخل غرفة المداولة المتواجد بها القضاة وفي أغلب الأوقات يكون هناك عدد كبير من المحامين غير متواجدين داخل الغرفة بسبب صغر حجمها ويقوم كل محام بابلاغ اسمه واسم المتهم الحاضر معه ورقم قضيته ويطلب من المحكمة إخلاء سبيل موكله فقط دون سماع اية تفاصيل أخرى، مما يترتب عليه عدم إثبات طلبات المحامين في اغلب الاوقات داخل محضر الجلسة.
ومع تأخر بدء جلسات التجديد عادة ما يتم إنهاء الجلسة دون الاتصال بجميع أماكن احتجاز المتهمين بالسجون وأقسام الشرطة، نظرا لقيام السجون بالغلق وعدم الاستجابة لمكالمات الفيديو كونفرانس بسبب انصراف الموظفين العاملين مما يترتب عليه تجديد الحبس لهؤلاء المتهمين ورقيا.
استخلاصات:
تكرس مشاهدات انعقاد جلسات التجديد الحبس عن بُعد او ما يعرف بالتجديد الالكتروني، غياب وانتهاك الضمانات التي وضعها المشرع بموجب القانون 145 لسنة 2006 في محاولة منه لتحقيق توافق مع مراتب الشرعية الدستورية والإجرائية بمعاييرها الدولية، ووضع جمهورية مصر العربية بين مصاف الدول الديمقراطية في أحكام الحبس الاحتياطي.
فمع التجديد الالكتروني تنتفي كافة الضمانات فتبين مما تم سرده أن قرارات تجديد الحبس الاحتياطي تصدر من الهيئات القضائية كنيابة أمن الدولة ودوائر الإرهاب في محكمة الجنايات دون استجواب المتهم المعروض وسماع أقواله وأوجه دفاعه فيما هو منسوب إليه من اتهامات، وانفصال المتهم تماما عن العالم الخارجي وعدم اتصاله مباشرة بقاضيه الطبيعي وفقا للمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الى جانب عدم تمكنه من الاتصال المباشر بمحاميه في ظل عرضه من خلال شاشة يتحكم بها القاضي او عضو النيابة المتواجد وهو وحده صاحب متى يحق للمتهم سماع ما يدور في الجلسة ومتى لا يحق للمتهم ذلك.
وكذلك عرض المتهم من خلال شاشة في مقر احتجازه وبحضور ضباط السجن ينهي وينسف تلك الضمانات المزعومة، خاصة وأن المتهم لا يستطيع أن يقوم بسرد ما قد يكون تعرض له من مضايقات أو جرائم بموجب قانون العقوبات في ظل وجود الضباط والأفراد داخل الغرفة المخصصة لعرض المتهمين لنظر تجديد حبسهم.