
تقديم
أزمة حادة و غير مسبوقة تواجهها منظومة العدالة فى مصر فى العشر سنوات الأخيرة ،هذا الانحدار الذي جعلها تحتل مؤخرة العالم على مؤشر العدالة وسيادة القانون -بحسب تصنيف مشروع العدالة في العالم والذي صنف مصر في المرتبة الخامسة والثلاثون بعد المائة من بين مائة وأربعين دولة حول العالم -يعد أحد أهم أسبابه هو تغول السلطة التنفيذية ونظام الحكم السياسي في مصر علي السلطة القضائية والنيابة العامة ،التي هي من المفترض هيئة قضائية تنوب عن الشعب فى تحريك الدعوى العمومية ومطالبة القضاء بتطبيق صحيح أحكام قانون العقوبات على المتهم ان كان مدانا وتبرئته إن كان غير مدان ، طبقا للقاعدة القانونية ان المتهم برئ حتي تثبت ادانته ، ;كما أنها هي الجهة المنوط بها ضمان التطبيق الصحيح للقانون .
الا ان ما حدث خلال العشر سنوات الماضية ومازال.
أن النيابة العامة أصبحت تستخدم القانون كأداة تعتبر من أهم أدوات تنكيل النظام فى مصر بـ المعارضين والنشطاء السياسيين واستهداف أصحاب الرأي، وذلك عن طريق استغلال ما تتمتع به النيابة العامة من سلطتي الاتهام والتحقيق فى توجيه الاتهامات المتكررة ،الفضفاضة والغير منطقية لهم وحبسهم دون سند قانوني صحيح لتلك الاتهامات .
( وفي غالب الأحيان ) لا يكون هناك دليل واحد سوى ما يدلي به ضابط الأمن الوطني فى محضر تحرياته من ادعاءات لا تتحقق النيابة العامة فى أغلبها من مدى جديتها وصحتها ، وهي لا تصلح وحدها دليل للاتهام أو حتى قرينة لإثباته .
ولعل أبرز تلك الاتهامات المتكررة ،الفضفاضة خلال تلك المرحلة الزمنية التي تعيشها مصر والتي يُسجن ويُحاكم بها أصحاب الرأي دون سند صحيح من القانون هما الاتهامين بالانضمام لجماعة إرهابية ، ونشر وإذاعة أخبار كاذبة .من شأنها تكدير السلم العام .
وعن تلك الاتهامات فى القانون ،،،
عبّرَ القانون المصري عن جريمة
الانضمام لجماعة إرهابية
بما جاء فى قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 فى المادة 12 منه والتي نصها أن ” يعاقب بالإعدام او السجن المؤبد كل من أنشأ أو أسس او نظم او ادار جماعة إرهابية، أو تولى زعامة أو قيادة فيها. ويعاقب بالسجن المشدد كل من انضم إلى جماعة إرهابية او شارك فيها بأي صورة مع علمه بأغراضها….”،
وكذا ما جاء بالمادة 86 مكرر من قانون العقوبات بنصها على أن ” يعاقب بالسجن كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار, على خلاف أحكام القانون, جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة, يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها, أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون, أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي. ويعاقب بالسجن المشدد كل من تولى زعامة, أو قيادة ما فيها, أو أمدها بمعونات مادية أو مالية مع علمه بالغرض الذي تدعو إليه ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من انضم إلى إحدى الجمعيات أو الهيئات أو المنظمات أو الجماعات, أو العصابات المنصوص عليها في الفقرة السابقة أو شارك فيها بأية صورة, مع علمه بأغراضها…”
وعن مناط تحقيق تلك الاتهامات وموافقتها لصحيح القانون ليصح الاتهام وفقا لما جاء بالمواد السابقة فإنه يجب عند توجيه الاتهام بالانضمام لجماعة إرهابية لآحاد الناس . أن تكون هناك جماعة ( لها اسم – تاريخ إنشاء ) ،لها نشاط (يجب أن يكون هذا النشاط مجرمََ ) ، وأن يتوافر لدى المتهم العلم بأغراضها. وذلك كله لكي يتحقق الركن المادي والركن المعنوي المكونين للجريمة نفسها ،فبدونهما لا قيامة َللجريمة كلها ولا محل من الاتهام.
ويحدث كثيرا ان تتهم النيابة العامة أو نيابة أمن الدولة العليا ( فرع من النيابة العامة المتخصصة في التحقيق بشأن التهديدات الأمنية ) أحد المتهمين بالانضمام لجماعة إرهابية ،ويتساءل المتهم ومحاميه عن ماهية تلك الجماعة ،واسمها ،وتاريخ انضمام المتهم لها، ولكن دون جدوى.
وتقرر النيابة العامة بحبسه ،وبمد فترات الحبس الاحتياطي له جلسة تلو الأخري ،دون أن تُقيم الدليل على ارتكاب المتهم لأي فعل مكون لتلك الجريمة ويستمر الحبس لفترات قد تصل لأكثر من الحد الأقصى للحبس الاحتياطي المقرر للعقوبة وفق المنصوص عليه فى القانون، دون حتى أن يُحاكم أمام قاضيه الطبيعي .
أما عن الاتهام بارتكاب جريمة نشر واذاعة اخبار كاذبه
فيأتي هذا الاتهام كأحد أشهر الاتهامات اللصيقة بالاتهام السابق ، الذي عادة ما تتهم به النيابة العامة ونيابة أمن الدولة علي وجه التحديد متهمين من تيارات مختلفة يتم القبض عليهم واتهامهم بها والزج بهم فى السجون لسنوات ،بسبب نشرهم تغريدة علي تويتر او منشور على فيسبوك أو مقال رأي على إحدى المنصات الاجتماعية أو الصحف .
وقد عبر القانون المصري عن تلك الجريمة وفقا لما جاء بالنص العقابي في المادة 102 مكرر من قانون العقوبات على أن ” يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيهاً ولا تجاوز مائتين جنيه كل من أذاع عمداً اخباراً أو بيانات او أشاعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام او القاء الرعب بين الناس أو الحاق الضرر بالمصلحة العامة…”
وما جاء بنص المادة 188 عقوبات على أن ” يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو أوراقاً مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذباً إلى الغير, إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة .
إذا فالعبرة بتحقيق الاتهام هنا وفقا لتلك النصوص أن يتم نشر أخبارا أو بيانات كاذبة ،وأن تتوافر العمدية لدي المتهم للنشر ( لتحقيق الركن المعنوي للجريمة )، وأن يتوافر لديه أيضا العلم ان بنشره لتلك الأخبار أو البيانات سيؤدي إلى تكدير السلم العام وإلقاء الرعب بين الناس طبقا للقانون ،ولكن ما يحدث أن يتم التحقيق مع المواطنين وتوجيه هذا الاتهام لهم وحبسهم بسبب ممارستهم لحقهم في التعبير عن الرأي الذي كفله الدستور!1. أو انتقادهم للسلطة بأحد وسائل التعبير المختلفة .
على سبيل المثال ،،
منذ أسابيع قليلة ماضية تم القبض على طبيب واستشاري الأمراض الجلدية ( د.هاني سليمان -67 عام ) على خلفية قيامه بكتابة تدوينات على صفحته الشخصية على موقع فيس بوك يدلي فيها برأيه عن الأوضاع السياسية فى مصر، ومن بين تلك التدوينات كانت تدوينة عن رؤيته الشخصية واستنكاره لمن يبدون تصور لرحيل نظام الرئيس السيسي عن الحكم عن طريق صندوق الانتخابات! ،، وهي التدوينة التي قبض عليه بعدها بيوم واحد ووجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات بالانضمام لجماعة ارهابية ،وتمويلها ،ونشر أخبار كاذبة في القضية رقم 508 لسنة 2023.2وقررت نيابة أمن الدولة حبسه خمسة عشر يوما علي ذمة التحقيقات كما هو المعهود في القضايا المشابهة .
مثال آخر
المهندس يحيي حسين عبد الهادي( 69 عام ) الذي قد سبق وتم التنكيل به واتهامه والحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات بتهم نشر أخبار كاذبة عمداً داخل وخارج البلاد في مايو من العام الماضي ،بسبب مقال رأي كتبه وقام بنشره على صفحته الشخصية بعنوان ” هي ثورة وإن أنكرها لص أو رئيس ” ليواجه الرجل بعدها سيلا من التنكيل به امتد لاتهامه فى عدة قضايا منها ما كانت تنظره نيابة أمن الدولة ،وأخرى قد حكم عليه بموجبها من محكمة مدينة نصر بالسجن لمدة أربع سنوات ، إلى أن أصدر رئيس الجمهورية قرارََ بالعفو عنه ،على خلفية إطلاقه لما يسمى بالحوار الوطني ،وتم إطلاق سراحه في نهاية شهر مايو من العام الماضي .
منذ يومين ،وتحديدا بتاريخ 12 أبريل من هذا العام ،أعلن المهندس يحيي حسين علي صفحته الشخصية على فيسبوك3 .باستدعائه بطلب حضور جلسة محاكمة أمام محكمة جنح مدينة نصر يوم الخميس ١٣ أبريل ٢٠٢٣ مُتَّهَمَاً في القضية رقم ١٢٠٦ لسنة ٢٠٢٣ بتهمة حيازة منشورات! ,فى وقت لاحق أعلن محاميه انهم فوجئوا أثناء حضورهم جلسة المحاكمة بأن تهمة حيازة المنشورات التي تم إخطارهم بها غير موجودة بالقضية ،رغم إعلانه رسمياً بها في إخطار النيابة المرسل له ، والتهمة الوحيدة التي ذكرتها النيابة هى بث ونشر إشاعات وأخبار كاذبة داخل وخارج البلاد حال (كونه عائد) ” أي سبق اتهامه بذات التهمة وعاد لارتكابها من جديد” بزعم نشره عدد ثلاثة مقالات خلال الفترة من ٧ أغسطس ٢٠٢٢ حتى ٢٠ مارس ٢٠٢٤، وأن القضية قد أجلت للاطلاع لجلسة الحادي عشر من شهر مايو القادم!
يُذكر ان النظام السياسي في مصر ما زال مستمرا بالتنكيل بمعارضين للسلطة ،وسياسيين، وحقوقيين ،ومواطنين عاديين, بسبب ممارستهم حقهم الدستوري في التعبير السلمي عن الرأي ،واتهامهم بالانضمام او مشاركة جماعة إرهابية ،ونشر وإذاعة أخبار كاذبة ،والامثلة عديدة ، نذكر منهم المحامي الحقوقي محمد الباقر ،والناشط علاء عبد الفتاح ، وعبد المنعم ابو الفتوح رئيس حزب مصر القوية، والعديد من المواطنين الذين قد تقدر أعدادهم بالالاف في السجون ممن ليس لهم علاقة بالعمل السياسي أو الحزبي . وان فقط ما يجمعهم هو حب هذا الوطن ، وتلك الاتهامات الملفقة ،المكررة ، التي لا يوجد لها مسوغ قانوني فى الأوراق التي يحبسون بها ،سوى ما يراه جهاز الأمن الوطني في مصر مبررََ للحبس .
1انظر مادة 65 من الدستور المصري .
2موقع فيسبوك – اسم الصفحة mada عنوان الخبر أمن الدولة تجدد حبس الطبيب هاني سليمان 15 يوما-تاريخ النشر 8 أبريل 2023
3 موقع فيسبوك – اسم الصفحة /يحيي حسين عبدالهادي – تاريخ النشر – 12 أبريل 2023 – رابط البوست .