
منذ عام 2013 شهد القضاء في مصر تغييرات سريعة وواسعة في استخدامه لأغراض سياسية ،حيث اصبح القضاء في مصر عدوا رئيسيا للمعارضين والناشطين الحقوقيين ، وبسبب هذه التغييرات شهدت مصر حملات واسعة من التضييق والاضطهاد ضد المعارضين السياسيين للنظام ،تم فيها استخدام القضاء لاجبار النشطاء علي الصمت أو الاعتذار لدعمهم الديمقراطية وحقوق الانسان ،حتى أصبح تنكيل القضاء بالخصوم السياسيين وسجن أقاربهم وذويهم أمرا شائعا في مصر .
وجاءت تلك التغييرات عن طريق توسيع صلاحيات النيابة العامة ونيابة امن الدولة العليا ومحاكم الارهاب ،وتقليص صلاحيات القضاء المستقل .
في العديد من الحالات يتم استخدام أفراد عائلة الخصوم السياسيين كرهائن لدي الاجهزة الأمنية ،وذلك للضغط علي المتهم واجباره علي الاعتراف بجرائم لم يرتكبها ،والتعاون مع السلطات الامنية الحاكمة ، وفي بعض الاحيان يتم القبض علي أفراد العائلة نفسهم واخفاؤهم في أماكن غير معلومة ،ثم تلفيق الاتهامات والقضايا فيما بعد ،واستمرار حبسهم لمدد طويلة تتجاوز المدد القانونية للحبس الاحتياطي كما نص الدستور والقانون ،وذلك من اجل الضغط علي الخصوم والمعارضين السياسيين للنظام .
ويعتبر القبض علي أهلية الخصوم السياسيين في مصر من الممارسات التي تثير الجدل وتؤثر علي حقوق الانسان وحريات التعبير في البلاد ،وهي التي لم ينجو منها المعارضين السياسيين والحقوقيين ولا أهلية المرشحين للانتخابات الرئاسية كالذي حدث مع أهلية وأقارب النائب البرلماني السابق أحمد الطنطاوي ،الذي أعلن عن نيته الترشح لللانتخابات الرئاسية فى مصر العام المقبل .
تزامنا مع الحوار الوطني
فى الوقت الذي تقيم الدولة والنظام الحاكم فى مصر ما يسمي بالحوار الوطني من أجل فتح آفاق جديدة للحوار بين الدولة والمعارضين السياسيين كما يزعمون،أعلن النائب البرلماني السابق والرئيس السابق لحزب الكرامة أحمد الطنطاوي عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية فى مصر أمام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي ،والتي مزمع عقدها العام المقبل ،وذلك بعد أن اعلن عن نيته العودة من لبنان الي مصر في بيان نشره في 20 ابريل الماضي .
وقبل أيام من عودته المعلن عنها يتم القبض علي عم وخال النائب البرلماني السابق الي جانب عدد من أصدقائه وذويه ،ليظهروا في نيابة أمن الدولة العليا لاحقا متهمين بالانضمام لجماعة ارهابية ، وحيازة منشورات ،وهو الأمر الذي يؤكد مسرحية الحوار الوطني القائم ،وعدم جدواه حيث لم تتغير سياسات النظام الامني قيد أنملة .
فى وقت لاحق لتلك الواقعة بعدة أيام أُعلِن عن اخلاء سبيل خال النائب السابق وشخص اخر في ذات القضية بكفالة علي ذمة التحقيقات بعد ان واجه النظام فى مصر انتقادات شديدة من الشارع السياسي وأعضاء الحركة المدنية المشاركين فى الحوار الوطني بعد تلك الواقعة .
قانونا …
ينص الدستور المصري فى المادة 95 منه علي ان العقوبة شخصية ،ولاجريمة ولا عقوبة الا بناء علي قانون .
وهو المبدأ الذي يطلق عليه الشرعية الجنائية ،فالقانون هو الذي يحدد التجريم والعقاب عليه ،وقد نصت المواثيق والعهود الدولية علي هذا المبدأ لكي تضمن سلامة تطبيقه واعماله في الدساتير الوطنية باعتباره حقا قانونيا ودستوريا لا يصح التنازل عنه أو اهداره .
وبالتالي فان استخدام القوة والضغط علي أفراد العائلة والأصدقاء من اجل اجبار الخصوم السياسيين علي النزول عن ارائهم وحقوقهم الدستورية والتزام الصمت والاذعان لهوى السلطة يمثل جريمة قانونية ومخالفة جسيمة لكافة المواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها مصر،ويستوجب الحساب ،كما انه يجب علي القضاء المصري احترام الحقوق الاساسية للافراد واحترام القانون لا استخدامه للتنكيل بالخصوم السياسيين للنظام ،وان تتم محاكمة المتهمين وفقا للقانون ،وفى اطار محاكمة قضائية عادلة وشفافة بدون أي ضغوطات أو تهديدات للنيل من حقوقهم كأفراد أو تهديد بمعاملة أفراد من عائلاتهم معاملة سيئة .
والسجل السياسي المصري خلال العشر سنوات الماضية حافل بالعديد والعديد من الممارسات الأمنية التي من خلالها تم توظيف القضاء للتنكيل والانتقام من الخصوم السياسيين سواء عن طريق القبض علي عائلاتهم وذويهم وتلفيق القضايا لهم وسجنهم ، او بمنعهم من السفر ومصادرة أموالهم أو التحفظ عليها باحكام قضائية غير منصفة وغير عادلة للانتقام منهم ،كما هو الحال علي سبيل المثال بالقضية رقم 173 لسنة 2011 والمعروفة اعلاميا بقضية التمويل الأجنبي والتي بموجب التحقيق فيها تم منع عدد كبير من الحقوقيين المصريين من السفر ،والتصرف في أموالهم ،انتقاما منهم وتنكيلَ بهم لادارة مؤسسات حقوقية مستقلة قبل ان يتم اغلاق القضية للبعض منهم دون البعض الاخر الذين ليسوا علي هوى السلطة في مصر .
ومن الامثلة البارزة ايضا علي تلك الممارسات الانتقامية– ما حدث مع عائلة الرئيس الأسبق محمد مرسي الذي تم القبض عليه وعلي أبنائه وشقيقه وأفراد عدة من عائلته عقب 30 يونيو 2013 ، منهم من توفي فى محبسه كالرئيس الأسبق مرسي ومنهم من يقبع فى أقبية السجون حتي الان فقط لانه علي دراجة قرابه به او منتميا لجماعة الاخوان المسلمين كما هو الحال مع نجله المحامي أسامة مرسي الذي يقبع منذ سنوات فى السجن نكاية فى أبيه الراحل الرئيس الأسبق مرسي .
أيضا ما حدث مع الاعلامي معتز مطر المقيم في تركيا ، والذي تم تلفيق الاتهامات له ومن ثم ادراجه علي قوائم الكيانات الارهابية بأحكام غيابية غيرعادلة ،والقبض علي ثلاثة من أشقاءه وحبسهم لمدد طويلة باتهامات كيدية ملفقة نكاية فى الاعلامي معتز مطر المعارض للسلطة الحالية . وأيضا ما حدث مع عائلة خيرت الشاطر القيادي بجماعة الاخوان المسلمين من القبض عليه وعلي أفراد من عائلته بعد عدة سنوات كـ ابنته عائشة الشاطر وزوجها المحامي محمد ابو هريرة ،والذين مازالوا فى أقبية السجون المصرية حتي الآن .
أيضا السيدة علا القرضاوي التي تم القبض عليها وعلي زوجها المهندس حسام خلف انتقاما من والدها الداعية الراحل يوسف القرضاوي ،والتي ظلت تعاني من آفة التدوير علي ذمة قضايا جديدة كلما اخلي سبيلها لسنوات عدة ، والتي دخلت فى اضراب مفتوح احتجاجا علي استمرار حبسها دون ذنب او جريرة ،الي أن أخلت النيابة سبيلها فى نهاية عام 2021 وما زال زوجها رهن الحبس حتي الان .
بالاضافة الي ما حدث مع اليوتيوبر الساخر تامر جمال ،والمعروف اعلاميا ب ” عطوة كنانة ” المقيم فى تركيا ، فقد تم ادراجه متهما فى عدة قضايا بسبب فيديوهاته الساخرة علي اليويتوب التي تنتقد النظام والرئيس الحالي ، ولم تكتفي السلطات المصرية بذلك بل قامت في عام 2019 بالقبض علي شقيق زوجته المهندس حسن عبد الحميد واخفاؤه قسريا لمدة تقارب ال ستون يوما قبل ان يظهر متهم فى نيابة امن الدولة العليا بالانضمام ومشاركة جماعة ارهابية ، ونشر اخبار كاذبة فى القضية رقم 488 لسنة 2019 والمعروفة بالقضية المصيدة للمعارضين والحقوقين ومازال محبوسا علي ذمتها حتي الان أي ما يقارب أربع سنوات حبس احتياطي دون محاكمة او اخلاء سبيل نكاية فى زوج شقيقته المقيم خارج مصر .
كثيرون فى هذه البلاد يتعرضون للتنكيل والانتقام بشكل يومي ،وما زالوا يعانون من آلة الانتقام الامنية التي لا تتوقف وتواطئ الجهات القضائية ضدهم – ليس لشئ الا أنهم خصوم سياسيين للنظام – قدر لهم ولعائلاتهم أن يدفعوا ثمن خصومة سياسية غير شريفة فى وطن لا يحترم القائمين فيه علي سدة الحكم الدستور والقانون ولا يعرفون معني الشرف ، وما الذي حدث مع عائلة النائب البرلماني السابق أحمد الطنطاوي مؤخرا الا احدي صور الانتقام المتكررة والممنهجة ابان تلك الحقبة المظلمة التي تعيشها مصر الان .